علي الأحمدي الميانجي
311
مكاتيب الأئمة ( ع )
قال ابن أبي الحديد : ثُمَّ ذكر عليه السلام نكتة لطيفة في هذا المعنى ، فقال : « العادَةُ أنَّ الرَّعِيَّةَ تَخافُ ظُلمَ الوالي وأنا أخافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي » ؛ ومن تأمّل أحواله عليه السلام في خلافته ، علم أنَّه كان كالمحجور عليه لا يتمكّن من بلوغ ما في نفسه ، وذلك لأنَّ العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين ، وكان السَّواد الأعظم ، لا يعتقدون فيه الأمر الَّذي يجب اعتقاده فيه ، ويرون تفضيل من تقدّمه من الخلفاء عليه ، ويظنّون أنّ الأفضليّة إنَّما هي الخلافة ، ويقلّد أخلافهم أسلافهم ، ويقولون لولا أنَّ الأوائل علموا فضل المتقدّمين عليه لما قدّموهم ، ولا يرونه إلَّا بعين التَّبعية لِمَن سَبقهُ ، وأنَّه كان رعيّة لهم ، وأكثرهم إنّما يحارب معه بالحميّة وبنخوة العربيّة ، لا بالدين والعقيدة ، وكان عليه السلام مدفوعاً إلى مداراتهم ومقاربتهم ، ولم يكن قادراً على إظهار ما عنده ، ألا ترى إلى كتابه إلى قضاته في الأمصار ، وقوله : فاقضوا كما . . . وهذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير ، ومعناه واضح ، وهو أنَّه قال لهم : اتّبعوا عادتكم الآن بعاجل الحال في الأحكام والقضايا الَّتي كنتم تقضون بها إلى أن يكون للناس جماعة ، أي إلى أن تسفر هذه الأُمور والخطوب عن الاجتماع وزوال الفرقة وسكون الفتنة ، وحينئذ أُعرِّفُكم ما عندي في هذه القضايا والأحكام الَّتي قد استمررتم عليها . ثُمَّ قال : « أو أموتُ كما ماتَ أصحابِي » ، فمن قائل يقول : عَنَى بأصحابه الخلفاء المُتقدّمين ، ومن قائل يقول : عَنَى بأصحابه شيعتَه كسَلْمان ، وأبي ذرّ ، والمقداد ، وعَمَّار ، ونحوهم . « 1 »
--> ( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 7 ص 72 .